صديق الحسيني القنوجي البخاري

256

فتح البيان في مقاصد القرآن

صحيح البخاري من حديث جابر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة » « 1 » . وفي صحيح مسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو أنه سمع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى اللّه عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللّه وأرجوا أن أكون هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة » « 2 » ، وفي الباب أحاديث . والعطف على يا أَيُّهَا الَّذِينَ يفيد أن الوسيلة غير التقوى ، وقيل هي التقوى لأنها ملاك الأمر وكل الخير فتكون الجملة الثانية على هذا مفسرة للجملة الأولى ، والظاهر أن الوسيلة التي هي القربة تصدق على التقوى وعلى غيرها من خصال الخير التي يتقرب بها العباد إلى ربهم ، وقيل معنى الوسيلة المحبة أي تحببوا إلى اللّه والأول أولى . وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ من لم يقبل دينه وقبل أعداءه البارزة والكامنة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تسعدوا بالخلود في جنته لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه والفوز بكل محبوب . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 36 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ كلام مبتدأ مسوق لزجر الكفار وترغيب المسلمين في امتثال أوامر اللّه سبحانه أي لو أن لهم ما في الأرض من أصناف أموالها وذخائرها ومنافعها قاطبة ، وقيل المراد لكل واحد منهم ليكون أشد تهويلا وإن كان الظاهر من ضمير الجمع خلاف ذلك جَمِيعاً تأكيد وَمِثْلَهُ مَعَهُ أي أن الكافر لو ملك الدنيا ودنيا أخرى مثلها معها . لِيَفْتَدُوا بِهِ أي ليجعلوا كلا منهما فدية لأنفسهم من العذاب ، وأفرد الضمير إما لكونه راجعا إلى المذكور أو لكونه بمنزلة اسم الإشارة أي ليفتدوا بذلك مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ذلك الفداء وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي لا من سبيل ولا لهم الخلاص منه بوجه من الوجوه .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 8 ، وتفسير سورة 17 ، باب 11 ، وأبو داود في الصلاة باب 37 ، والترمذي في الصلاة باب 43 ، والنسائي في الأذان باب 38 ، وابن ماجة في الأذان باب 4 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الصلاة حديث 11 ، وأبو داود في الصلاة باب 36 ، والترمذي في المناقب باب 1 ، والنسائي في الأذان باب 37 ، وأحمد في المسند 2 / 168 .